المنشور (4) من سلسلة: إصلاح التعليم العالي في سوريا
دور الأستاذ الجامعي: ناقل معرفة أم صانع عقول؟
في الذاكرة التقليدية للتعليم العالي، يُنظر إلى الأستاذ الجامعي بوصفه المصدر الأساسي للمعرفة: يشرح، يلقّن، ويختبر.
ولكن في عالم تتغير فيه المعرفة بسرعة، لم يعد السؤال: كم يعرف الأستاذ؟
بل أصبح السؤال الأهم: كيف يُفكّر طلابه؟
الأستاذ الجامعي الحقيقي لم يعد مجرد ناقل محتوى، بل صانع بيئة فكرية، وموجّه للأسئلة، ومدرّب على التفكير النقدي، لا على الحفظ. فالجامعة ليست مكانًا لنقل المعرفة فقط، بل مساحة لصناعة العقول.
في واقع الجامعات السورية، نجد مفارقة واضحة:
نحمّل الأستاذ مسؤولية تخريج طالب مبدع، باحث، وقادر على مواجهة سوق العمل، بينما نُثقله بأعباء إدارية، وجداول مكتظة، ومقررات جامدة، ونقيّمه غالبًا بعدد الساعات لا بعمق الأثر الذي يتركه في طلابه.
الجامعة التي تقيّد الأستاذ في دور الناقل، لا يمكنها أن تطلب من الطالب أن يكون مبدعًا أو حرّ التفكير.
المشكلة هنا ليست في كفاءة الأستاذ السوري، فجامعاتنا تزخر بكفاءات علمية حقيقية، بل في منظومة تحاصر هذه الكفاءة داخل دور ضيق: شرح المنهاج، ثم الامتحان، ثم الانتهاء. وبهذا يتحوّل الأستاذ ومن دون قصد من صانع عقول إلى حارس محتوى.
صناعة العقول لا تعني الفوضى داخل الصف، ولا تعني إضعاف المرجعية العلمية، بل تعني تشجيع الطالب على السؤال دون خوف، وتدريب الطالب على تحليل الفكرة لا ترديدها، والنظر إلى الخطأ بوصفه جزءًا طبيعيًا من التعلّم لا كفشل. فالأستاذ القوي لا يفرض هيبته بالصمت، بل بعمق فكره وقدرته على فتح آفاق جديدة أمام طلابه.
في سوريا، حيث نحتاج إلى إعادة بناء الإنسان قبل البنيان، لا يمكن للتعليم العالي أن ينجح إذا بقي دور الأستاذ محصورًا في نقل المعرفة فقط. نحن بحاجة إلى أستاذ يربط العلم بالواقع السوري، ويحوّل القاعة إلى مساحة نقاش، ويُعدّ الطالب ليكون فاعلًا لا تابعًا.
تمكين الأستاذ الجامعي من أداء هذا الدور لا يبدأ بمطالبته بالمزيد، بل بتخفيف العبء الإداري عنه، وتحديث أدوات التدريس والتقييم، ومنحه الثقة ليكون شريكًا في تطوير العملية التعليمية، لا مجرد منفّذ لها.
سؤال للنقاش:
برأيك، ما الذي يمنع الأستاذ الجامعي في سوريا اليوم من أداء دوره كصانع عقول ……..
هل هو ضغط النظام التعليمي؟ .. أم ثقافة التعليم؟ .. أم غياب الدعم الحقيقي؟
في المنشور القادم، سنناقش:
البحث العلمي في سوريا: إنتاج معرفة أم شرط للترقية؟
—
د.م. عمار حمد نائب رئيس اتحاد الجامعات الدولي للشؤون الاسترالية
….
